أحمد بن ابراهيم النقشبندي
85
شرح الحكم الغوثية
فيا طالبا لهذه المنازل ، ويا متعطشا لشربة من هذه المناهل ، ثم قال رضي الله عنه : 10 - إيّاك أن تميل إلى غير اللّه فيسلبك اللّه لذة مناجاته . تأمّل يا أخي هذه الوصية ، وأقبل بقلبك عليه ، واحذر أن تتوجّه إلى غيره فيحرمك مما لديه ، واحرص على أن تكون جميع لذّاتك في مناجاته ، واجتهد أن يكون اشتغالك في بكورك وآصالك بحسب معاملاته ، واجعل ظاهرك وباطنك في خدمته ، وصلاتك ونسكك ومحياك ومماتك لحضرته ، لا تلتجئ في شدائدك إلّا إلى جنابه ، ولا تنخ مطايا حاجتك إلّا بواسع رجائه ، فهناك تشهد الفضل العظيم ، وتجد من النعم ما لا ترجوه من صديق ولا حميم . صحّح القصد يا أخي ، وتملّى وارشف الكأس صافيا ، وتهنئ خمرة الحب ، لا تنال بشرك وجد القلب عنده ، فيا من يريد هذا المقام ؛ عليك بتنوير بصيرتك بترك الآثام . ثم قال رضي الله عنه : 11 - البصيرة تحقيق الانتفاع . البصيرة للقلب كالبصر للقالب ، فكما أن أعمى البصر لا يقدر أن ينتفع بسيره في سفره الحسّي ، كذلك أعمى البصيرة لا يقدر أن ينتفع بسيره في السفر القدسي . فداو عمى بصيرتك يا أخي بكمال الطاعات ، وتمسّك في معرفة الكحال النافع بأذيال الأطباء من أولي النهايات ، ولا تصحب منهم الأمر ينهضك حاله ، ويدلّك على اللّه مقاله ، واحذر صحبة الأشرار ؛ فإنها أشدّ عليك من كل أسد ضار . كما قال : 12 - أضرّ الأشياء : صحبة عالم غافل ، أو صوفي جاهل ، أو واعظ مداهن . شرع رضي الله عنه يبيّن لك الأشرار الذي ينبغي لك الاحتراز من مصاحبتهم . فمن ذلك العالم الغافل : فإنه يدلّك على مولاه بقاله ، ويجرّك إلى سواه بسوء أفعاله ودناءة حاله ، ولسان الحال أقوى من لسان المقال ، فمجالسة مثل هذا كمجالسة الأجرب ما جالسه سليم إلا وعداه ، وأسلمه للعطب . وكذلك الصوفي الجاهل : صحبته شديدة الضرر ، وهي كالمذهبة للسمع والبصر ؛ إذ هو يدّعي الحقائق ، وهو عنها بمعزل ، ويظهر الإلحاد والزندقة ، ويظن أنه من مولاه